الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
214
القرآن نهج و حضارة
هو الذي يسكنها ، فسبحانه حمّل الإنسان مسؤولية الخلافة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 1 » وحمّله مسؤولية الأرض وعمارتها حيث جعلها له بقوله تعالى : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ . « 2 » فما عليه إلا أن يحوّل تلك الخامات والثروات الطبيعية إلى قدرات متطورة تتماشى وحياة الإنسان . ولعل بناء الحضارة لا يقوم إلا على أساس الإنسان الخليفة وفق مسئوليته المناط بها لعمارة الأرض ، القائمة على قيم اللّه التي بعثها له عبر أنبيائه . وأهم ما في بناء الحضارة هي القيم المعنوية لا المادية ، لان الامتداد الزمني الذي تتشكل منه الحضارة لكي تبقى عبر أجيالها المتعاقبة بالقيم المعنوية حتى لو كانت هناك تعثرات واعوجاج في الأمة ، أو انحراف في مسيرتها ، فان القيم هي التي تصحح هذا المسار بفعل رجالات الأمة العاملين لها وفيها . وحضارة المادة ليس لها امتداد زمني فهي حضارة وقت ، تزول بزوال المادة ، وتنتهي عند ذلك الحد كي يتغنى بها التاريخ ضمن ذكرياته . ولعل الفارق بين حضارة المادة وحضارة القيم يكمن في زوال الأولى وبقاء الثانية . ويضرب لنا القرآن أروع الأمثلة وأحسن القصص حينما يتحدث عن قوم لوط الذين هدموا حضارتهم بأيديهم بوضع بذور فنائها في أرضهم . إن رفض الإنسان لقيم السماء واللجوء إلى قيم الأرض المادية يعني الانهيار حتما ، والدمار الكامل الذي يؤدي بنهاية الحضارة . وقد صرح القرآن الكريم ببيان العوامل التي أدّت إلى انهيار هذه الحضارة ،
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 30 ( 2 ) سورة الرحمن آية 10